جائزة الشارقة للقرآن الكريم والسنة النبوية - الدورة السابعة عشرة - ،،،

 " حافظ القرآن الكريم واستكمال بنائه العلمي والتربوي

 

للدكتور محمد عصام القضاة

كلية الشريعة - جامعة الشارقة - الإمارات العربية المتحدة

 

m

 

 

 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فهذا بحث قدمته في الملتقى العلمي الثالث للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن التابعة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة شرفها الله تعالى ، أضعه بين يدي إخواني وأخواتي حملة القرآن الكريم العاملين والدارسين بمؤسسة القرآن والسنة بالشارقة لنفيد منه ، والله أسأل أن ينفعنا بهدي كتابه ، ويتولانا بعين عنايته إنه سميع جواد كريم ...

ومعلوم لدى جلة الأحباب أن الاشتغال بكتاب الله تعالى نعمة ينعم الله بها على من شاء من عباده ، والعيش في ظلاله شرف لا يناله إلا من وفقه الله تعالى إليه ودله عليه، ومن فضل الله تعالى على الأمة أن حفظ الله تعالى لها كتابها فقال سبحانه: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون([1])، بينما أخبر الحق سبحانه أنه وكل حفظ الكتب السابقة لأصحابها فقال تعالى عن التوراة : ﴿ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ([2]) ، وحفظ القرآن الكريم حفظ شرف الأمة وضمان رفعتها وعزها وكرامتها؛ في وقت ذلت فيه الأمة وهانت حتى على أقرب الناس لها، فهو كتاب الشرف الرفيع والمجد التليد والكرامة والعزة ، فإن تمسكت به الأمة حازت الرفعة والشرف ، ولا يتخلى عنه عاقل ، قال تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾([3]) ، ومن هنا كان أعقل الناس أكثرهم اهتماما بهذا الكتاب العظيم ، وأشدهم تمسكا به وتمسيكا له ، وأعظم الناس استثمارا في الدارين من كان استثماره مع القرآن وخدمته والتعاهد له ؛ في نفسه وأهله ومن يعول ثم الأمثل فالأمثل .

وإن من تيسير الله تعالى لحفظ كتابه أن سخر الرجال الذين نذروا أنفسهم لهذه الغاية النبيلة ، والمؤسسات التي جندت جل طاقاتها للوصول إلى هذا الهدف العظيم، منذ أن بدأ القرآن بالتنزل على قلب النبي الأمين r وكتبه أصحابه y في السطور وحفظوه في الصدور ، واستمر الحفظ لهذا الكتاب العظيم والعناية به على مر العصور والأزمان فكانت الطاقات تصرف بشتى الوسائل للوصول إلى أعظم الغايات.

وفي عصرنا الحاضر انبرى لهذا الأمر كثير من المؤسسات على مستوى العالم الإسلامي ، تدافع وتنافح وتدعو لهذا الكتاب الكريم، ومن هذه المؤسسات الرائدة الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم التابعة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، وقامت مشكورة بأمور على مستوى العالم الإسلامي كلها تصب في بوتقة العمل القرآني القائم على خدمة كتاب الله تعالى تحفيظا ورعاية وتشجيعا للناشئة للعيش مع القرآن الكريم، فجزى الله كل العاملين المخلصين خير الجزاء.

ويأتي هذا الملتقى المبارك في هذه الأيام المباركة أيام القرآن في شهر القرآن لنصرة القرآن وأهله والتباحث في شؤونهم والتناصح فيما بينهم ليصل الجميع في النهاية إلى الهدف المنشود وليرقى العمل القرآني في العالم إلى المستوى اللائق بكتاب الله تعالى وأهله، وإنني أقدم شكري وتقديري للقائمين على هذه الهيئة المباركة وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بصفر  حفظه الله ، الأمين العام للهيئة، على تفضلهم بدعوتي لهذا الملتقى، آملا أن أكون عند حسن ظنهم، وأسأله تعالى أن يكرمنا جميعا بكرامة القرآن ويجعلنا من أهله وأحبابه .

وآثرت المشاركة في هذا الملتقى ضمن المحور الثالث :

" حافظ القرآن الكريم واستكمال بنائه العلمي والتربوي "

وحين التقيت أخي الدكتور أنس كرزون في مؤتمر جمعية المحافظة على القرآن في الأردن علمت أن جل الكتابات في الملتقى حول هذا المحور ، فاقترح أن أتوسع في جانب منه ألا وهو : برامج وأساليب مراجعة القرآن الكريم للحفاظ ، وهو من ضمن ما المباحث في استكمال البناء العلمي للحافظ، وأسأله تعالى التوفيق لذلك.  إنه سميع مجيب الدعاء وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العلمين

 

خطة البحث

تناولت الموضوع في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة على النحو الآتي:

المقدمة : وفيها ملخص عام لما أريد عمله.

المبحث الأول: الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها حافظ القرآن.

       صفات شخصية .

       صفات أكاديمية علمية .

المبحث الثاني: البناء العلمي الأمثل لحافظ القرآن .

       الدراسات الأكاديمية المنهجية لحافظ القرآن .

       الدراسات الأكاديمية اللامنهجية لحافظ القرآن.

       البناء التكاملي للشخصية العلمية لحافظ القرآن .

المبحث الثالث: البناء التربوي الأكمل لحافظ القرآن .

       التربية القرآنية لصاحب القرآن

       التربية النبوية لحامل القرآن .

       منهاج السلف في تربية أهل القرآن

1.   الاستعلاء على محقرات الأمور.

2.   الاستعلاء بالقرآن على ما في أيدي الناس.

3.   عدم اللهو والعبث الذي يفسد حياة حامل القرآن .

الخاتمة : وفيها أهم النتائج والتوصيات.

 

المبحث الأول:

الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها حافظ القرآن

 

إن حامل القرآن الكريم حامل لواء الإسلام ، فينبغي له أن يتحلى بكمال الأخلاق البشرية؛ فهو في موقع القدوة ، فلا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو أو يعبث مع من يعبث ، وليكن القرآن جليسه وأنيسه ، ولذا فالصفات العظيمة والأخلاق الرفيعة لحافظ القرآن من أهم ما ينبغي للحافظ أن يتصف بها ، فهو الوريث النبوي الذي ورث أعظم إرث واستدرج النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه، وهو القلب الذي وعى القرآن، والوعاء الذي استقر به كلام اللطيف المنان .

ولو أردنا استقصاء جل الأخلاق التي ينبغي التحلي بها لضاق بنا الوقت، ولأتينا بأمور في أغلبها مكرورة مذكورة لدى المسلمين بعامة ، فبالإضافة إلى  الأخلاق التي يتصف بها المسلمون عامة  نتحدث عن الأخلاق الخاصة التي يجب التأكيد عليها لدى حامل القرآن الكريم، وكل ذلك باختصار واقتضاب.

الصفات الشخصية:

1.   علو الهمة :

لما كان حامل القرآن الكريم مهيئا لحملٍ عظيمٍ كان لا بد له من الهمة العالية التي تليق بما سيحمله وينهض به ، ولا يمكن لمن كانت همته دنية أن يقوى على حمل هذه الأمانة الربانية التي ناءت بحملها الجبال، وصدق الله العظيم حيث يقول:

﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب/72]

2.   الزهد :

وهي صفة مهمة جدا ، إذ لولا زهد حامل القرآن لبقيت نفسه متطلعة لما في هذه الدنيا من متاع قليل ولأصبح هذا المتاع ملهاة له عن تحقيق مراده مما يصبو إليه من الدرجات العلا في الآخرة ، ومفهوم الزهد يتحقق بجعله ما عند الله هو الأساس الذي يبني حياته عليه ، ولقد قال الرسول الكريم : ﴿ ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ([4]) .

3.   الترفع عن محقرات الأمور ومجالس اللهو:

وهذه صفة ضرورية لحامل القرآن الكريم، فليس لديه الوقت الذي يبذله في غير ما يدعو إليه القرآن ؛ من علم وتعليم وبذل ونصح وإرشاد وتوجيه ،وإذا كانت مجالس اللهو مما نهى عنه القرآن المسلمين بعامة ؛ فمن باب أولى أن يكون ذلك من المنهيات التي يجب أن يترفع عنها صاحب القرآن، ومما روي عن القاضي عياض قوله: (( حامل القرآن حامل لواء الإسلام فلا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو أو يلعب مع من يلعب  )) .

4.   السخاء والكرم :

وهي صفة مهمة أساسية في حامل القرآن ، وقدوته في ذلك سيد الخلق فقد كان أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ؛ وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان يدارسه القرآن ، فكان حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ؛ كما ورد الخبر في ذلك . وهذه الصفة ضرورية لأن معلم القرآن يرعى شؤون طلابه ودارسيه ، ولا زلت أذكر بالخير شيخنا حفظه الله ومد في عمره كيف كان ينفق على دار القرآن الكريم من جيبه وماله الخاص ولم ينتظر غيره ليقدم له أو يمنع، حتى خرّج أجيالا قرآنية فجزاه الله عنا خير الجزاء.

 

الصفات الأكاديمية :

1.   العلم والتعليم حسبة لله تعالى:

تعلم القرآن وتعليمه من المهمات التي ترقى بصاحبها ليكون في أعلا المنازل في الدنيا والآخرة ؛ فهو خير الناس تصديقا لقول الرسول الكريم : (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )) وإذا حصل على هذا المقام فلا ينبغي له أن يلهث وراء طمع دنيوي يأتيه من وراء علمه بالقرآن الكريم أو تعليمه له ؛ وفي الحديث الشريف: (( من تعلم علما مما ينبغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ))([5]) ، ومنه قول الرسول الكريم : (( من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء في المجالس لم يرح رائحة الجنة ))([6]) ، وحديث أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ؛ قارئ وجواد وشجاع معلوم فليحذر القارئ ذلك .

2.   بذل الوقت في التعليم :

وهي صفة أساسية لحامل القرآن فما قرأ إلا ليُقرئ ، وما تعلم إلا ليُعلم ، والوقت في المسألة التعليمية أمر مهم ، فلا ينبغي للمقرئ أن يعتذر لطالبه ويتذرع بضيق الوقت وعدم الفسحة في التعليم ، بل عليه أن يخصص وقتا ثابتا للإقراء يفد إليه طلبة العلم فيه ، يكون معلوما لديهم ، روي عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله أن سائلا سأله؛ وقد أقرأ في مسجد الكوفة الكبير أربعين سنة ما يغادر اسطوانته إلا لضرورة ، ما الذي أجلسك مجلسك هذا يا أبا عبد الرحمن قال: حدثني شيخي عثمان بن عفان قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ، فهذا الذي أجلسني مجلسي هذا ))([7]) .

3.   تعاهد القرآن وقيام الليل به:

وإذا كان المطلوب من حامل القرآن رعاية دارسيه ، وبذل ما تعلم لطالبه فلا ينبغي له أن يهجر القرآن الكريم أو يجافي عنه، ولا بد من تعاهده دائما حتى لا يتفلت منه ومن أعظم وسائل معاهدة القرآن المحافظة على الحزب اليومي وينصح أن لا يقل عن ثلاثة أجزاء فيختم في عشر أو خمسة أجزاء فيختمه كل أسبوع ، وقديما قالوا من قرأ الخمس لم ينس، وقيام الليل بالقرآن يتلوه ويرتله من أعظم ما يعين حامل القرآن على التثبت والمراجعة، فحامل القرآن إن قام به وإلا نسيه ، ولقد رأيت من يقسم أجزاء القرآن على أيام الشهر فيقوم كل ليلة بالجزء المواطئ لعدة ذلك اليوم حتى يأتي كل شهر على ختمة بقيام الليل لكتاب الله الكريم كاملا، وهو برنامج نافع فيه خير عظيم نسأله تعالى أن يوفقنا جميعا له.

 

المبحث الثاني

البناء العلمي الأمثل لحافظ القرآن .

 

       الدراسات الأكاديمية المنهجية لحافظ القرآن .

صاحب القرآن الكريم فرد من أفراد المجتمع موكول له بناء المجتمع والمشاركة في نهضته وتقدمه، ولا بد له من الاعتناء بنفسه والرقي بها أكاديميا ، ولست ممن يرى انقطاع صاحب القرآن عن العلوم الدنيوية لينشغل بعلوم القرآن وحدها دون غيرها من العلوم، وبعض المربين لديهم اجتهادات تقوم على أساس انقطاع طلاب القرآن عن سائر العلوم الضرورية ، وهؤلاء على منهجين :

1.   المنهج الأول؛ يقوم على الانقطاع الكلي منذ التأسيس الأساسي للطلبة، ويرى أصحابه أن يكون تأسيس المدرسة القرآنية على أساس مناهج خاصة لا علاقة لها بالمناهج السائدة في الدولة التي يكونون فيها، فيدرس الطالب مناهج غير معترف بها ولا يأبهون بمسائل الاعتراف الأكاديمي ، ويكتفون بالتعليم على طريقتهم ومنهاجهم الخاص. والمتخرج في هذه المدارس لا شك أنه يكون قد حصل على علم نافع بإذن الله تعالى لكنه يفاجأ بالمجتمع بعد التخرج ، فلا الشهادات معترف بها وليس هو بمؤهل ليكون في أي مركز للتوجيه أو التدريس أو حتى مواصلة دراساته العليا مستقبلا . ومن هنا أرى أن لا يسلك معلمو القرآن هذا المسلك مع طلبتهم .

2.   المنهج الثاني يقوم على الانقطاع الجزئي لطالب القرآن الكريم فيتم تفريغ الطلبة لمدة سنتين وغالبا ما تكون بعد أن يكون الطالب قد قطع شوطا لا بأس به في دراساته الأولية وعرف العلوم الأساسية في اللغات وسائر المعارف والعلوم، فيحفظ الطالب في هذه الفترة القرآن ويدرس العلوم الشرعية ، ثم يعود بعد ذلك لمواصلة دراسته في المدارس النظامية الحكومية أو الخاصة ، وهذا المنهج متبع في بعض البلاد الإسلامية أذكر منها على سبيل المثال بعض مراكز التحفيظ التابعة للأوقاف الشعبية التركية ، وغيرها من البلاد ، ولا بأس بهذا المنهج حيث إن الاعتكاف على طلب القرآن يوفر على الطالب والمدرس جهودا كبيرة ويزيد من كمية المحفوظ ويعين على التمكين والتحصيل في زمن قياسي.

 

       الدراسات الأكاديمية اللامنهجية لحافظ القرآن.

1.   الدراسات اللامنهجية لتعلّم القرآن الكريم، وفيها الحديث على أمرين، الحفظ والمراجعة والتمكين، أما الحفظ فيقوم على أحد منهجين:

       المنهج الأول يقوم على تفريغ الطالب في الإجازات الصيفية لمدة شهرين ينقطع الطالب فيها للحفظ والتعليم، ثم يعود بعد ذلك لدراسته فور انتهاء الإجازة ، وهذا منهج قائم على استثمار الوقت في الإجازات؛ الذي غالبا ما يذهب هدرا، ويؤخذ على هذا المنهج سرعة الحفظ الذي قد يؤدي إلى سرعة النسيان إذا لم يتعاهده الحافظ بالمراجعة والمتابعة .

       المنهج الثاني يقوم على منهاج مصاحب لغيره من المناهج وغالبا ما يكون في الفترة المسائية بعد الانتهاء من البرنامج المعد في المدارس النظامية المنهجية ، ومن حسنات هذا المنهج استمرار الحافظ مع كتاب الله تعالى، والتريث في الحفظ ، والتمكين ، والمتابعة الدائمة حتى يكون هذا البرنامج جزءا من حياة الحافظ يستمر عليه.

أما المراجعة والتمكين؛ وهو الأمر المهم في هذا الصدد فلا بد أن يعطيه الحافظ جل وقته حتى لا يتفلت القرآن من صدره

2.   الدراسات اللامنهجية لتعلّم سائر العلوم الشرعية ؛ وتقوم على أحد منهجين:

                       الدورات الشرعية الموسمية ، وغالبا ما تكون في أوقات الإجازات ، وينبغي لطالب القرآن أن يحرص عليها إذ يحرص أصحابها على استقطاب خيرة العلماء في شتى العلوم الشرعية ، والالتزام بها يصقل شخصية طالب العلم وتتسع مداركه في مختلف العلوم .

الدورات الشرعية الطويلة ، وهي في الغالب تكون فصلية ، يحصل طالب العلم في نهايتها على الإجازة العلمية، وهذه الدورات تعطى بطريقتين:

1.   طريقة التلقي في المساجد ودور القرآن الكريم ، ومن أبرز القائمين على هذه الدورات : إدارة شؤون الحرمين عن طريق الحلقات المستمرة في الحرم المكي والحرم النبوي ، ومن سار على نهجهم في العالم الإسلامي وعلى سبيل المثال لا الحصر مؤسسة القرآن والسنة بالشارقة ، فهي تقوم بجهد مبارك في هذا المجال بان أثره في المجتمع المحلي لدولة الإمارات، و مشروع الشيخ مكتوم بدبي ، وجمعية المحافظة على القرآن الكريم بالأردن .

2.        طريقة التلقي والمشافهة عن طريق البرامج الفضائية، وهي برامج نافعة أثبتت جدارتها ولله الحمد، وبثت   هذا العلم النافع في شتى أرجاء المعمورة، وهذه البرامج قائمة على أحد منهجين :

الأول: برامج البث المباشر التفاعلية مع الجمهور؛ عن طريق اتصال الشيخ بالطلبة والاستماع لهم وتوجيههم للقراءة الصحيحة بعد الشرح والقراءة النموذجية من الشيخ ، ويسير على هذا المنهاج برنامج كيف تقرأ القرآن الذي يبث في قناة إقرأ منذ زمن ، ويشرف على تنفيذه والتعليم من خلاله فضيلة الدكتور أيمن سويد ، ويقدمه الدكتور محمد حداد جزاهم الله خيرا ، وقد كان له أكبر الأثر والنفع على مستوى العالم الإسلامي ، كما يسلك طريقة مقاربة له برنامج تصحيح التلاوة الذي يعده ويقدمه الدكتور محمد عصام القضاة في قناة المجد الفضائية، منذ سنوات ، ومن خلاله تم شرح المقدمة الجزرية وتناول جل أحكام التجويد وهو قائم على قراءة صفحة واحدة في كل حلقة، ونسأل الله تعالى التمام على خير، كما أن هناك برامج مشابهة في قنوات فضائية أخرى فجزى الله كل العاملين المخلصين خير الجزاء.

الثاني: برامج الأكاديميات العلمية الفضائية ؛ والرائد في هذا المضمار قناة المجد العلمية ، حيث تعقد الدورات العلمية المتواصلة ويتم فيها التسجيل والمتابعة والاختبارات عن بعد ، ويحرص عليها طلبة العلم من شتى أرجاء المعمورة ، كما أن بإمكانهم التواصل معها عن طريق شبكة الإنترنت العلمية .

       البناء التكاملي للشخصية العلمية لحافظ القرآن .

بعد هذا العرض الموجز لما ينبغي لحافظ القرآن الكريم أن يحرص على تعلمه وتعليمه أود أن أعرض بإيجاز لمقومات البناء التكاملي للشخصية العلمية لحافظ القرآن وأوجزها بما يأتي:

1.   حفظ القرآن الكريم وعرضه على شيخ متقن متصل الإسناد.

2.  معرفة قواعد وأحكام التجويد بما يؤهله للقراءة الصحيحة المنضبطة.

3.  معرفة العلوم الشرعية الأساسية في مجال العبادات والمعاملات والأخلاق.

4.  تنمية القدرات الشخصية في شتى العلوم الأخرى بما يكون فيها النفع العميم على المجتمع الذي يعيش فيه .

5.  الاستمرار في التعليم النظامي في مراحله المتتابعة من التعليم الأساسي إلى الثانوي إلى التعليم الجامعي بمراحله الثلاث حتى يصل إلى أعلى الدرجات.

6.  البحث والتمحيص والتدقيق في شتى العلوم وخاصة فيما يتعلق بالقرآن الكريم.

7.  الاستمرار في عطائه في أي مجال من المجالات الدنيوية ، ولا يدع المجال لغيره بحجة أنه يريد التفرغ للقرآن، فلا مانع أن يكون الطبيب قارئا والمهندس مقرئا والفني صاحب قرآن يتفرغ للقراءة والإقراء بعد الانتهاء من عمله الذي هو فيه .

8.  العمل بما علم ، والالتزام بما طلب الله تعالى منه، فالعلم بلا عمل جنون، كما أن العمل بما علم لا يكون .

 

 

 

 

المبحث الثالث

البناء التربوي الأكمل لحافظ القرآن

 

       التربية القرآنية لصاحب القرآن :

من المقاصد العظيمة للقرآن الكريم الجانب التربوي، وقد أخذ مساحة عظيمة من الآيات الكريمة للاهتمام بهذا الجانب المهم، وحافظ القران الكريم من أولى الناس أخذا بهذا الجانب التربوي، وقد جاء ذلك في آيات متعددة نذكر منها:

1.   قوله تعالى:﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ([8])،  هذه الآية الكريمة منهاج حياة ينبغي لحافظ القرآن أن يتمثلها، فالعبادة لله والاستعانة به بعد ذلك منهج ينبغي الحرص عليه، فهو دائم التوجه لله دائم الاستعانة به سبحانه، وهذا هو منهج السلف ولمزيد الانتفاع بهدي هذه الاية الكريمة أنصح بالرجوع إلى كتاب مدارج السالكين لابن قيم الجوزية ففيه النفع العظيم .

2.   قوله تعالى: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين اللذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا([9]) ، وفي هذه الآية مقومات الخيرية للأمة وقوله للتي هي أقوم فيها أفعل التفضيل فلا أقوم من طريق القرآن العظيم ، فمن سلكه استقامت حياته، وفيها البشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وماذا بعد الحياة القائمة على المنهج الرباني والرغد في الآخرة إنها الاستقامة التي هي عين الكرامة .

3.   قوله تعالى: ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون([10])، وفيها الصبر على ما يصيبه في طريقه ، وأعظم ما يربي حافظ القرآن عليه نفسه الصبر ، فلن يبلغ المجد حتى يلعق الصبرا. وفيها المنهج القائم على الاستعلاء على ما عليه الناس من الاستخفاف فلحافظ القرآن المنهج الذي يكون معه معروفا بتميزه عن الآخرين بصمته إذ الناس يتكلمون وبليله إذ الناس نائمون ،... .

4.   ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير  ([11]). وهذه الآية الكريمة فيها شرف الأمة بالاصطفاء والاختيار على سائر الأمم، وما ذاك إلا بالميراث الرباني ألا وهو القرآن الكريم، " فأما الذين سبقوا بالخيرات فأُولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأُولئك يحاسبون حساباً يسيراً وأما الذين ظلموا أنفسهم فأُولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقّاهم الله برحمته فهم الذين يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) ، إلى قوله: ( لغوب ) "([12]) وقال r: (( هَؤُلاَءِ كلهم  بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهُمْ في الْجَنَّةِ )) ([13]) ، وقال السعدي في تفسير هذه الآية الكريمة: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ( وهم هذه الأمة ) فمنهم ظالم لنفسه ( بالمعاصي التي هي دون الكفر ( ومنهم مقصد ) مقتصر على ما يجب عليه تارك للمحرم ( ومنهم سابق بالخيرات ) أي سارع فيها واجتهد فسبق غيره وهو المؤدي للفرائض المكثر من النوافل التارك للمحرم والمكروه فكلهم اصطفاه الله تعالى لوراثة هذا الكتاب وإن تفاوتت مراتبهم وتميزت أحوالهم فلكل منهم قسط من وراثته حتى الظالم لنفسه فإنه ما معه من أصل الإيمان وعلوم الإيمان وأعمال الإيمان من وراثة الكتاب لأن المراد بوراثة الكتاب وراثة علمه وعمله ودراسة ألفاظه واستخراج معانيه وقوله ( بإذن الله ) راجع إلى السابق إلى الخيرات لئلا يغتر بعمله بل ما سبق إلى الخيرات إلا بتوفيق الله تعالى ومعونته فينبغي له أن يشتغل بشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه ( ذلك هو الفضل الكبير ) أي وراثة الكتاب الجليل لمن اصطفى تعالى من عباده هو الفضل الكبير الذي جميع النعم بالنسبة إليه كالعدم فأجلُّ النعم على الإطلاق وأكبر الفضل وراثة الكتاب "([14]) وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول ما هؤلاء وهو أعلم تبارك وتعالى فتقول الملائكة هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك فيقول الرب أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي"([15]) ، وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: " فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين، ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) ([16])

5.   ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ([17])

هذه السورة المباركة من أجمع سور القرآن الكريم توجيها وتربية ، حتى قال سلفنا: لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكفت الأمة، وذلك أنها تحتوي على المنهاج الأمثل الذي ينقذ الأمة من الخسران المبين، وهذا المنهج قائم على الجوانب الآتية:

       الإيمان بالله تعالى وهذا يقتضي من المسلم التحقق بهذا المقام العظيم بجميع أركانه وضوابطه، ولو أردنا تقصي ذلك لطال بنا المقام ولذلك مواطنه وكتبه التي توسعت بالحديث عنه.

     عمل الصالحات، وقد جاء التعبير القرآني ليشمل كل عمل يصلح عليه أمر المؤمن في دنياه وأخراه، وهذا يقتضي من المؤمن ترك المنهيات بالإضافة لاتباع أوامر الله تعال صغيرها وكبيرها.

التواصي بالحق؛ وهو الأمر الذي ينبغي للمسلمين الالتزام به، فكل مؤمن يوصي أخاه بالثبات على الحق ، فالمؤمن قوي بإخوانه ضعيف بنفسه، ولذا كان السلف يوصي بعضهم بعضا بقراءة هذه السورة عند الافتراق وكأن لسان حال كل منهم يطلب من الآخر الثبات على الحق والاستمرار عليه .

التواصي بالصبر، وهو أمر مطلوب من المؤمن فلولا الصبر ما استمر صاحب الحق على حقه، ولذا نجد لقمان الحكيم يوصي ابنه بالثبات عليه حال دعوته وقيامه على صراط الله المستقيم:﴿ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ([18])، وهو الأمر ذاته الذي أوصى الله به نبيه محمدا r فقال سبحانه وتعالى:﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا([19])، والصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى المصائب بشتى أنواعها نعمة بشر الله تعالى أصحابها بالثواب العظيم والجزاء العميم في الدارين، قال تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون([20]).

       التربية النبوية لحامل القرآن .

وكما ربى القرآن أتباعه فقد ربت السنة الكريمة أتباعها ؛ فلقد حدد النبي الكريم لحامل القرآن الكريم معالم لا بد له من الالتزام بها من أهمها:

1.   الاستعلاء على محقرات الأمور.

فحامل القرآن الكريم يجب أن يستشعر عظمة ما يحمل بين جنبيه ، وقد جاء في الحديث عن النبي r :(( من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحي إليه)) وهذا الحديث رواه وكيع بن الجراح في تفسيره عن إسماعيل بن رافع عن رجل لم يسمه عن عبد الله بن عمر y . ([21])، ومن كان هذا حاله فلا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، كما أنه يكون بمنأى عن كل ما يكون حقيرا تافها كالمجالس التي لا تكون مجالس علم ومذاكرة وقرآن.

2.   الاستعلاء بالقرآن على ما في أيدي الناس.

وحامل القرآن يجب أن يدرك قيمة ما عنده ، فلا ينافس الناس على ما في أيديهم من متاع الدنيا التافه، ولا يزاحمهم على دنياهم ؛ بل يكون زاهدا بها طالبا للآخرة معرضا عن الدنيا ، فهو قد أوتي شرف الدارين ، وما أعطاه الله تعالى لا يقاس بما عند الناس من متاع ودنيا ، وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال : ((من حفظ القرآن فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فلقد صغر عظيما وعظم صغيرا )) ([22])

3.   عدم اللهو والعبث الذي يفسد حياة حامل القرآن .

الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر ، وكل ذلك مما لا ينبغي لحامل القرآن أن يشغل به نفسه ، بل عليه أن يكون مع القرآن الكريم مستعليا به على متاع الدنيا مكتفيا به عما في أيدي الناس ، وينصح حامل القران الكريم أن يكون وقته موزعا على النحو الآتي:

       المراجعة اليومية للحفظ ما بين ثلاثة أجزاء إلى عشرة أجزاء بحسب وقته وطبيعة عمله.

       التأمل والتدبر في آيات القرآن الكريم ، لمعرفة المعاني واستخراج مكنون الآيات الكريمة ، ونحن مأمورون بذلك بنص القرآن الكريم:﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها([23]) .

       تعليم القرآن الكريم إذ لا يصل إلى درجة الأفضلية إلا بالتعليم بعد أن تعلم وضبط وأتقن.

       التفقه في دين الله تعالى إذ إن صاحب القرآن ينبغي له أن يعرف ما يجب معرفته من علوم الشريعة الضرورية لعبادته لله تعالى.

       القيام بالواجبات الدينية ، من فرائض بأنواعها وأوقاتها .

       القيام بالواجبات الدنيوية، بحسب عمله ومجاله الذي يقوم به .

       القيام بواجباته الأسرية والإشراف على أهل بيته ورعايتهم وتعليمهم القرآن الكريم .

 

 

 

 

 

الخاتمة

 

بعد هذا التطواف مع حافظ القرآن الكريم بحقوقه وواجباته نخلص إلى النتائج الآتية:

1.  حافظ القرآن الكريم شخص متميز في المجتمع، حيث إنه الوعاء الذي حوى كتاب الله تعالى، ومن حفظ القرآن فقد عظمت حرمته .

2.  لحافظ القرآن الكريم حقوق يجب أن يعطاها، وعليه واجبات يجب أن يعطيها.

3.  معلم القرآن الكريم يقوم بعمل عظيم جدا لا بد للمجتمع أن يعي هذا الأمر ويتعامل معه بما ينبغي له من الاحترام والتقدير.

4.  واقع معلم القرآن ليس كما ينبغي أن يكون عليه من التوقير والاحترام،  وعلى الأمة إعطاؤه المكانة اللائقة به .

5.   على معلم القرآن الكريم أن يكون المثال الذي يحتذى في مجتمعه إذ هو الوارث النبوي لهذا الكتاب الرباني العظيم .

6.   حامل القرآن إن قام به وإلا نسيه فينبغي له مراعاة ذلك بالطرق المعروفة لدى القراء في تثبيت ما حفظ ورعاية ما استرعاه الله تعالى .

 

 



([1]) سورة الحجر /9

([2]) سورة المائدة /44

([3]) سورة الأنبياء/10

([4])المستدرك على الصحيحين ج4/ص348 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

([5]) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج1/ص160 والترمذي ج5/ص33 وأبو داوود ج3/ص323 .

([6]) رواه الطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ج1/ص184 .

([7]) رواه البخاري في صحيحه ، ج4/ص1919

([8]) سورة الفاتحة/5

([9]) سورة الإسراء/9

([10]) سورة الروم/60

([11]) سورة فاطر/32

([12]) تفسير الثعلبي ج8/ص108

([13]) مسند أحمد بن حنبل ج3/ص78

([14])  تفسير السعدي ج1/ص689

([15])تفسير الطبري ج22/ص134 

([16])كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج13/ص337

([17]) سورة العصر

([18])  سورة لقمان / 17

([19]) سورة الكهف/ 28

([20]) سورة البقرة/155-157

([21]) تفسير ابن كثير / ج1 ص323

([22])  معاني القرآن ج4/ص41

([23]) سورة محمد /24

الحــلقــات الــــقــــرآنيـــــــة
 
المـكتبـــة 

( البدالة )065935888 ( الفاكس ) 065288855 (صندوق البريد) 28466 الشارقة -065288801 مباشر المدير العام 65288802 مباشر رئيس قسم الشؤون التعليمية- 065288803 مباشر رئيس قسم الشؤون المالية والإ دارية- فاكس قسم النساء 065288852 - خورفكان فاكس 92371320 هاتف 092371321  - الذيد هاتف 068828654 فاكس068828653 

  حكومة الشارقة مؤسسة القرآن الكريم والسنة 

إعداد وتصميم المواقع الإمارات